0.0/5 (0 تقييمات)
عضو منذ أكتوبر 7, 2025
قوة الملف الشخصي 85%
أعلامي محرر كاتب مونتاج - sadam salih
- $10.00 - $20.00 / الساعة
- السودان
- حفظ
شيخ القرية الذي يُحادث ظلَّه
كان الشيخ “علي الدبش” آخر من بقي في قريته.
حتى شجرة النبق العتيقة (السدر)، التي كانت تظلّل مجلس العمدة، صارت صامتة إلا حين تهزّها رياح تحمل رائحة البارود.
لم يعد يسمع سوى طنين الطائرات البعيدة، كذبابٍ عملاق يبحث عن جثث لم تُخلق بعد.
أزيزها لا يغيب، والقنابل تهبط كأنها تعرف العناوين وتختار من الأقرباء.
في ليلةٍ عاصفة، اجتمع الناس تحت سقف “الراكوبة” غرفة من قش وقصب الدخن، كانت في الأصل ملاذًا من شمس النهار، فتحولت إلى ملجأ من رُعب الليل.
قال أحد الشيوخ:
«لن نخرج من بيوتنا… الأرض أقدس من الأرواح».
لكن صفير القنابل حوّل كلماته إلى نكتة سوداء.
بدأ الناس يتسرّبون خفيةً، كأنهم لصوصٌ يسرقون أنفسهم من أرضهم.
بعد أسبوع، لم يبقَ سوى عليّ وكلبه “شُكّة” الذي صار يهرب من سعاله.
وقف الشيخ أمام البئر الجافة، يحدّث ظلّه الملتصق بالأرض:
«السلطة؟ أنا عمدة أشباح… حتى الكلاب ترفض حكمي».
في النهاية حمل عصا أبيه وحقيبة صغيرة ملأها بتراب القرية، وانطلق خلف آثار الأقدام التي ابتلعتها الرمال.
أيام من السير قادته إلى حدود مجهولة، حيث يمتد معسكر واسع.
هناك، كان الأطفال يتدلّون على الأسوار مثل أوراقٍ جافة، يستقبلونه بعيون جائعة وحجارة صغيرة.
صرخ أحدهم:
«نحن نُقاوم الجوع كي لا نموت بالرصاص… ارحل، لم يبقَ لدينا عشور نعطيك!»
— العشور: العُشر من الحصاد، ما اعتاد الفلاحون أن يدفعوه للشيوخ، أما هنا فالحرب صادر كل شيء لا فلاحة و لا عشور قنابل فقط .
صار عليّ يجلس عند طرف خيمةٍ ممزقة، يحدث قارورة ماءٍ فارغة كما يحدث رفيقًا:
«ظننتُ أن الحرب نارٌ تُطفأ بالفرار… لكنها سحابة سمّ نحملها في رئتينا أينما رحلنا».
ذات مرة، وهو يحدّثني على فنجان قهوة، أخبرني عن أحلامه: يرى طائرة في الأفق، تهبط لتُلقي بالخبز على بيوت الناس. لكنه يستيقظ صباحاً ويجده يسقط قنابلا بدلا من ذلك دائمًا على البيوت في قريته بدلاً من السكنات العسكرية .
ورغم ذلك، ما زالت التكايا وغرف الدعم المحلي تنبض هناك: تجمع الناس حول صحن واحد، يُطعمون الجموع معًا أو فرادى، ولولاها لكان الموت أسبق من الحرب.
أمسك عليّ بحفنة من تراب قريته التي حملها معه، نثرها في الريح، ثم قال بصوتٍ أقرب إلى النشيج:
«كنت شيخًا له مكانة… واليوم صرت رقمًا ينتظر وجبة لا تسد جوعه يا لله الأرض التي لا تحتمل أحياءها كيف ستحتمل موتاها؟»
أوغندا،بيوالي – مارس/2025م
شيخ القرية الذي يُحادث ظلَّه
كان الشيخ “علي الدبش” آخر من بقي في قريته.
حتى شجرة النبق العتيقة (السدر)، التي كانت تظلّل مجلس العمدة، صارت صامتة إلا حين تهزّها رياح تحمل رائحة البارود.
لم يعد يسمع سوى طنين الطائرات البعيدة، كذبابٍ عملاق يبحث عن جثث لم تُخلق بعد.
أزيزها لا يغيب، والقنابل تهبط كأنها تعرف العناوين وتختار من الأقرباء.
في ليلةٍ عاصفة، اجتمع الناس تحت سقف “الراكوبة” غرفة من قش وقصب الدخن، كانت في الأصل ملاذًا من شمس النهار، فتحولت إلى ملجأ من رُعب الليل.
قال أحد الشيوخ:
«لن نخرج من بيوتنا… الأرض أقدس من الأرواح».
لكن صفير القنابل حوّل كلماته إلى نكتة سوداء.
بدأ الناس يتسرّبون خفيةً، كأنهم لصوصٌ يسرقون أنفسهم من أرضهم.
بعد أسبوع، لم يبقَ سوى عليّ وكلبه “شُكّة” الذي صار يهرب من سعاله.
وقف الشيخ أمام البئر الجافة، يحدّث ظلّه الملتصق بالأرض:
«السلطة؟ أنا عمدة أشباح… حتى الكلاب ترفض حكمي».
في النهاية حمل عصا أبيه وحقيبة صغيرة ملأها بتراب القرية، وانطلق خلف آثار الأقدام التي ابتلعتها الرمال.
أيام من السير قادته إلى حدود مجهولة، حيث يمتد معسكر واسع.
هناك، كان الأطفال يتدلّون على الأسوار مثل أوراقٍ جافة، يستقبلونه بعيون جائعة وحجارة صغيرة.
صرخ أحدهم:
«نحن نُقاوم الجوع كي لا نموت بالرصاص… ارحل، لم يبقَ لدينا عشور نعطيك!»
— العشور: العُشر من الحصاد، ما اعتاد الفلاحون أن يدفعوه للشيوخ، أما هنا فالحرب صادر كل شيء لا فلاحة و لا عشور قنابل فقط .
صار عليّ يجلس عند طرف خيمةٍ ممزقة، يحدث قارورة ماءٍ فارغة كما يحدث رفيقًا:
«ظننتُ أن الحرب نارٌ تُطفأ بالفرار… لكنها سحابة سمّ نحملها في رئتينا أينما رحلنا».
ذات مرة، وهو يحدّثني على فنجان قهوة، أخبرني عن أحلامه: يرى طائرة في الأفق، تهبط لتُلقي بالخبز على بيوت الناس. لكنه يستيقظ صباحاً ويجده يسقط قنابلا بدلا من ذلك دائمًا على البيوت في قريته بدلاً من السكنات العسكرية .
ورغم ذلك، ما زالت التكايا وغرف الدعم المحلي تنبض هناك: تجمع الناس حول صحن واحد، يُطعمون الجموع معًا أو فرادى، ولولاها لكان الموت أسبق من الحرب.
أمسك عليّ بحفنة من تراب قريته التي حملها معه، نثرها في الريح، ثم قال بصوتٍ أقرب إلى النشيج:
«كنت شيخًا له مكانة… واليوم صرت رقمًا ينتظر وجبة لا تسد جوعه يا لله الأرض التي لا تحتمل أحياءها كيف ستحتمل موتاها؟»
أوغندا،بيوالي – مارس/2025م
0
الوظائف الجارية
0
الوظائف المكتملة
0
الوظائف الملغاه
0
الخدمات الجارية
0
الخدمات المكتملة
0
الخدمات الملغاه
$0.00
إجمالي الأرباح
* أنقر الزر لإرسال عرض
وظفني
